يدخل مشروع الليثيوم في السعودية مرحلة جديدة مع إعلان شركة أرامكو اتفاقًا مع شركة الخدمات النفطية «NESR» لتنفيذ مشروع تجريبي يهدف إلى إنتاج كربونات الليثيوم المخصصة للبطاريات، في خطوة تربط الخبرات المتراكمة في قطاع الطاقة بتقنيات استخراج المعادن المستخدمة في الصناعات الحديثة. وتستهدف المبادرة إنتاج نحو 2,000 طن سنويًا، مع التخطيط لبدء التشغيل والإنتاج في أواخر عام 2027، بينما تصل القيمة التعاقدية المقدرة إلى نحو 200 مليون دولار لمدة تصل إلى خمس سنوات. ويستعرض موقع وادي السعودية تفاصيل المشروع، والتقنية المستخدمة، والفرص التي قد يفتحها الاستثمار في المعادن الحرجة، مع التمييز بين المشروع التجريبي الجاري تطويره وبين قيام صناعة تجارية واسعة النطاق بالفعل.
ما تفاصيل مشروع الليثيوم الجديد بين أرامكو وNESR؟
أعلنت شركة National Energy Services Reunited، المعروفة اختصارًا باسم NESR، في 8 أكتوبر 2026، توقيع اتفاق مع أرامكو لتنفيذ مشروع «أرامكو 2027 لليثيوم التجريبي» في المملكة. ويتولى تنفيذ الاتفاق قطاع التطبيقات البيئية وإزالة الكربون التابع لـNESR، ضمن تعاون يجمع خبرة أرامكو في باطن الأرض وعمليات الحقول مع تقنيات المعالجة والاستخراج التي تطورها الشركة.
ويستهدف المشروع إنتاج ما يصل إلى 2,000 طن سنويًا من كربونات الليثيوم المخصصة للبطاريات، مع استهداف تشغيل المشروع وبدء الإنتاج في أواخر 2027. أما القيمة المعلنة للعقد فتبلغ نحو 200 مليون دولار، لمدة تصل إلى خمس سنوات. وهذه التفاصيل توضح حجم الاتفاق وأهدافه المعلنة، لكنها لا تعني أن الإنتاج بدأ بالفعل أو أن المشروع وصل إلى مرحلة التشغيل التجاري المستقر.
وتكمن أهمية أرامكو الليثيوم في أن المشروع لا يقوم على إنشاء منجم تقليدي لاستخراج الصخور الحاملة للمعدن، بل يعتمد على تقنية الاستخراج المباشر لليثيوم من المحاليل الملحية، المعروفة اختصارًا باسم DLE. وتستخدم التقنية منصة LiThara التابعة لـNESR، وتشمل مراحل معالجة المحلول الملحي قبل الاستخراج، ثم فصل الليثيوم، وصولًا إلى تحويله إلى كربونات الليثيوم.
ويجمع التعاون بين تخصصين مختلفين لكنهما متكاملان؛ فأرامكو تمتلك خبرة واسعة في دراسة باطن الأرض وتشغيل الحقول وإدارة العمليات المرتبطة بالموارد، بينما توفر NESR تقنيات المعالجة والاستخراج والتحويل ضمن حل متكامل. ومن الناحية الصناعية، يتيح هذا النوع من التعاون اختبار إمكانية الاستفادة من الخبرات والبنية التشغيلية المتاحة في قطاع الطاقة لتطوير نشاط جديد يرتبط بالمعادن المستخدمة في تقنيات البطاريات.
ومع ذلك، لم تتضمن المعلومات المعلنة تفاصيل كافية لتحديد الموقع الدقيق للمنشأة التجريبية أو طبيعة المحلول الملحي المستخدم أو الجدول التفصيلي لمراحل التنفيذ. كما لم تُعلن خطة مكتملة للتوسع التجاري بعد انتهاء المرحلة التجريبية. لذلك ينبغي التعامل مع المشروع باعتباره خطوة تطويرية مهمة، مع انتظار نتائج التشغيل والاختبارات قبل الحكم على قدرته على التوسع.
كيف تعمل تقنية استخراج الليثيوم مباشرة من المحاليل الملحية؟
لفهم أهمية استخراج الليثيوم في السعودية، من الضروري معرفة أن الليثيوم لا يُستخدم في البطاريات عادةً على هيئة المعدن الخام وحده، بل يدخل في عمليات صناعية تنتج مركبات كيميائية بمواصفات محددة. ومن أبرز هذه المركبات كربونات الليثيوم، وهي مادة تدخل في سلاسل توريد البطاريات المستخدمة في السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة.
وتعتمد طرق استخراج الليثيوم التقليدية على مصادر مختلفة، من بينها الصخور الحاملة للمعدن والمحاليل الملحية الطبيعية. وتختلف الطريقة المناسبة بحسب خصائص المورد وتركيزه وتركيبته الكيميائية وتكاليف المعالجة والبنية التحتية المتاحة. أما تقنية الاستخراج المباشر، فتهدف إلى فصل الليثيوم من المحلول الملحي باستخدام عمليات وتقنيات معالجة مخصصة، بدل الاعتماد حصريًا على المسارات التقليدية المعروفة.
وفي المشروع السعودي الجديد، تشير NESR إلى أن منصة LiThara تجمع ثلاث مراحل رئيسية: المعالجة الأولية للمحلول الملحي، والاستخراج المباشر لليثيوم، ثم عملية الكربنة لإنتاج كربونات الليثيوم. وتقول الشركة إن تصميم المنصة المعياري يسمح بدمج هذه المراحل في منظومة واحدة، بما يدعم نشر التقنية وتطويرها وفق احتياجات المشروع.
وتبدأ المعالجة الأولية بتهيئة المحلول الملحي بما يتناسب مع متطلبات التقنية المستخدمة، إذ يمكن أن تؤثر مكونات المحلول والشوائب الموجودة فيه في كفاءة الفصل وجودة المنتج النهائي. وبعد ذلك تأتي مرحلة استخراج الليثيوم، التي تستهدف فصل العنصر عن بقية المكونات الموجودة في المحلول. وفي المرحلة التالية، تتم معالجة المادة المستخرجة لإنتاج كربونات الليثيوم بالمواصفات المطلوبة للاستخدام الصناعي.
لكن وجود تقنية قادرة على فصل الليثيوم لا يعني بالضرورة أن كل مورد ملحي سيكون مناسبًا اقتصاديًا. فنجاح المشروع يعتمد على خصائص المادة الخام، ومعدل الاستخراج، واستهلاك الطاقة والمواد الكيميائية، وكلفة معالجة المخلفات، وجودة المنتج، وإمكانية تشغيل المنظومة بصورة مستقرة. وهذه العوامل هي التي ستحدد ما إذا كان من الممكن الانتقال من مشروع تجريبي إلى إنتاج تجاري أكبر.
ومن المهم أيضًا عدم افتراض أن الاستخراج المباشر أقل تكلفة أو استهلاكًا للمياه في كل الحالات. فهذه النتائج تعتمد على طبيعة المورد وتصميم العملية والمقارنة مع البدائل المتاحة. وقد أشارت NESR إلى أن حلولها مصممة لتحقيق تكاليف تشغيل تنافسية وإتاحة التوسع، لكن إثبات الأداء الاقتصادي الفعلي يحتاج إلى بيانات تشغيلية ونتائج موثقة من المشروع نفسه.
وهنا تظهر قيمة المرحلة التجريبية؛ فهي لا تستهدف إنتاج مادة فقط، بل تتيح اختبار التقنية في ظروف تشغيل فعلية، وقياس جودة المنتج ومعدلات الاسترداد واستقرار العملية. كما تساعد نتائجها على تقدير التكاليف والتحديات التي قد تظهر عند زيادة حجم الإنتاج.
لماذا أصبح الليثيوم مهمًا للاستثمار في الطاقة والصناعة؟
يرتبط الاهتمام العالمي بالليثيوم بتوسع استخدام البطاريات في السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الكهرباء، إلى جانب تطبيقات صناعية أخرى. وتحتاج هذه الأسواق إلى مواد ذات مواصفات محددة وسلاسل توريد قادرة على توفير الإمدادات بصورة موثوقة، ما يجعل تطوير مصادر جديدة للإنتاج موضوعًا مهمًا للشركات والدول التي تسعى إلى تعزيز حضورها في الصناعات المرتبطة بتحول الطاقة.
وتُستخدم كربونات الليثيوم في تصنيع مواد تدخل في إنتاج أنواع متعددة من البطاريات، ومنها بطاريات الليثيوم أيون. وتؤدي هذه البطاريات دورًا في تشغيل السيارات الكهربائية، كما تُستخدم في أنظمة تخزين الطاقة التي تساعد على إدارة التفاوت بين إنتاج الكهرباء واستهلاكها. ومع توسع هذه الاستخدامات، يزداد الاهتمام بتطوير طرق استخراج ومعالجة يمكن أن توفر المواد المطلوبة بكفاءة وتكلفة تنافسية.
وبالنسبة إلى السعودية، يضيف مشروع الليثيوم السعودية مسارًا محتملًا إلى جانب الأنشطة التقليدية في قطاع الطاقة. فالمشروع يوظف خبرات في باطن الأرض وتشغيل الحقول ضمن نشاط يستهدف إنتاج مادة مرتبطة بسلاسل توريد البطاريات، وهو ما يعكس إمكانية الاستفادة من القدرات الموجودة لتطوير تقنيات ومنتجات جديدة.
لكن لا ينبغي اعتبار المشروع دليلًا على أن المملكة أصبحت بالفعل منتجًا كبيرًا لليثيوم أو أنها ستستحوذ على حصة محددة من السوق العالمي. فالطاقة الإنتاجية المستهدفة البالغة 2,000 طن سنويًا تخص هذا المشروع التجريبي، ولا تكفي وحدها لإثبات قدرة المملكة على المنافسة في نطاق الإنتاج العالمي الكبير. كما أن الوصول إلى إنتاج أوسع يتطلب إثبات الجدوى الفنية والاقتصادية وتحديد مصادر المواد الخام وتأمين الأسواق المستقبلة للمنتج.
وتبرز أهمية الاستثمار في المعادن الحرجة من زاوية أخرى أيضًا، وهي أن القيمة الاقتصادية لا تقتصر على استخراج المادة الخام. فسلاسل القيمة يمكن أن تشمل المعالجة الكيميائية، وإنتاج المواد المستخدمة في البطاريات، ومعدات الفصل، وأنظمة التحكم، والخدمات الهندسية، والاختبارات الصناعية. وإذا تطورت المشروعات في هذه الاتجاهات، فقد تنشأ فرص لمورّدين ومقاولين وشركات تقنية محلية، لكن حجم تلك الفرص سيعتمد على الخطط الفعلية للمشروعات ونسبة المكونات والخدمات التي يمكن توفيرها داخل المملكة.
كما أن تطوير مشروع تجريبي يمنح الشركات فرصة لاكتساب المعرفة التشغيلية اللازمة لتقييم مراحل لاحقة. فقد تكشف الاختبارات عن الحاجة إلى تعديل بعض خطوات المعالجة أو تحسين كفاءة الفصل أو تطوير طرق التعامل مع المخلفات. وتُعد هذه المعرفة جزءًا من قيمة المشروع، حتى قبل اتخاذ قرار بشأن التوسع التجاري.
ما الفرص الاستثمارية التي يمكن أن يفتحها المشروع؟
يمثل الاتفاق بين أرامكو وNESR نقطة تستحق المتابعة ضمن استثمارات التعدين السعودية، لكنه لا يقتصر على قطاع التعدين بمفهومه التقليدي. فالمشروع يقع عند تقاطع الطاقة والكيمياء الصناعية والتقنيات البيئية وسلاسل توريد البطاريات، ما يجعله مثالًا على كيفية تطور الأنشطة المرتبطة بالموارد الطبيعية إلى تطبيقات صناعية أكثر تخصصًا.
وقد تظهر فرص مستقبلية في تقديم الخدمات الهندسية، وتطوير معدات المعالجة، وتصنيع بعض مكونات الأنظمة، وتحليل المحاليل، واختبار جودة المنتج، وإدارة العمليات الصناعية. غير أن هذه الفرص تظل احتمالات مرتبطة بتطور المشروع، وليست عقودًا أو استثمارات مؤكدة أعلن عنها الطرفان حتى الآن.
وبالنسبة إلى الشركات المحلية التي تتابع القطاع، فإن المرحلة المقبلة تستحق المراقبة من خلال مؤشرات محددة. من أبرزها تقدم الأعمال الهندسية، وبدء التشغيل التجريبي، والإعلان عن نتائج الإنتاج الفعلية، ومعدلات استرداد الليثيوم، وتكلفة إنتاج الطن، وجودة كربونات الليثيوم الناتجة. كما ستكون المعلومات المتعلقة بمصادر المحاليل الملحية وحجم الموارد المتاحة ضرورية لفهم إمكانية التوسع.
قد يهمك أيضًا : فريق سعودي من الظهران يحقق المركز الأول عالميًا في سباق أرامكو STEM بسنغافورة
وتُعد الأسواق المستقبلة للمنتج عاملًا آخر في تقييم الجدوى. فإنتاج مادة بمواصفات مناسبة لا يكفي وحده لضمان نجاح المشروع؛ إذ يجب أن تتوافر قنوات بيع وعملاء قادرون على استيعاب المنتج ضمن سلاسل التوريد الصناعية. وقد يتطلب ذلك التوافق مع معايير الجودة والاختبارات التي يعتمدها المشترون، إلى جانب القدرة على توفير كميات مستقرة.
أما المستثمر الذي يتابع أخبار NESR السعودية، فمن المهم أن يميز بين القيمة التعاقدية المعلنة والإيرادات التي تتحقق فعليًا بمرور الوقت. فقيمة العقد التي تصل إلى نحو 200 مليون دولار تمثل القيمة المقدرة للاتفاق خلال مدة تصل إلى خمس سنوات، ولا تعني أن هذا المبلغ سيُسجل إيرادًا كاملًا فور الإعلان، أو أن المشروع يضمن عائدًا استثماريًا محددًا. وتظل النتائج الفعلية مرتبطة بتنفيذ الالتزامات وشروط العقد وتقدم المشروع.
كذلك فإن الاستثمار في المعادن المرتبطة بالبطاريات يتأثر بأسعار المواد الخام العالمية، وتطور تقنيات البطاريات، والمنافسة بين مصادر الإنتاج، وتكلفة التمويل والتشغيل. ولذلك فإن نجاح المشروع على المستوى الفني لا يحسم وحده مدى جاذبيته الاقتصادية على المدى الطويل، بل يجب النظر إلى مجموعة من العوامل معًا.
وفي المرحلة الحالية، تبدو أهم نتيجة مباشرة للاتفاق هي بدء تنفيذ مشروع تجريبي محدد الهدف والطاقة الإنتاجية المخططة، يجمع خبرة أرامكو في باطن الأرض وتقنيات NESR في الاستخراج المباشر. أما الحديث عن مناجم ليثيوم واسعة النطاق أو صناعة متكاملة للبطاريات في السعودية، فيحتاج إلى إعلانات وخطط إضافية لا يمكن استنتاجها من الاتفاق الحالي وحده.
في النهاية، يفتح مشروع الليثيوم في السعودية بابًا جديدًا أمام اختبار تقنيات استخراج المعادن المستخدمة في البطاريات، ويعكس توجهًا نحو الاستفادة من الخبرات الموجودة في قطاع الطاقة لتطوير أنشطة صناعية جديدة. ومع استهداف إنتاج 2,000 طن سنويًا من كربونات الليثيوم المخصصة للبطاريات وبدء التشغيل في أواخر 2027، ستكون نتائج المرحلة التجريبية هي العامل الأهم في تحديد فرص التوسع اللاحق.
ويرى موقع وادي السعودية أن أهمية المشروع لا تكمن في اعتباره بداية إنتاج تجاري ضخم تحقق بالفعل، بل في كونه خطوة عملية يمكن أن تكشف عن مدى ملاءمة تقنية الاستخراج المباشر للظروف المحلية، وما إذا كانت ستوفر أساسًا لتطوير استثمارات إضافية في المعادن الحرجة. وستتضح الصورة بصورة أكبر مع تقدم التنفيذ ونشر بيانات موثوقة عن الإنتاج والتكلفة والجدوى الاقتصادية.
0 تعليقات